لو كان بإمكاني أن أجلس أمام فتاة الثامنة، لطلبت منها أن تصبح معلمتي.
كنت سأجلس أمامها، وأسألها:
كيف لفتاة في الثامنة من عمرها أن تركض وتقفز من الدور الأول دون لحظة تردد، ودون أن تمنح الخوف فرصة واحدة ليخبرها بأنها لا تستطيع؟ من أين تعلمتِ هذا القلب الجريء؟
وعندما حاولت معلمتكِ أن تصفعكِ، كيف أمسكتِ يدها ونظرتِ في عينيها بتحدٍ؟ أين تعلمتِ التمرد؟
وعندما كنتِ طفلة وحيدة دون إخوة، كيف ابتكرتِ ألعابكِ وشخصياتكِ وعالمكِ الخاص؟ أين تعلمتِ الإبداع؟
وعندما انتقلتِ إلى بلدٍ جديد، وتركتِ خلفكِ وطنكِ، أو كما كنتِ تسمينه دائمًا «بلد الياسمين»، كيف تعلمتِ التأقلم؟ كيف كوّنتِ صداقات جديدة وكأن قلبكِ لم يعرف يومًا معنى الغربة؟
كنت سأطلب منها أن تعلمني بعضًا من صفاتها، لأنني، دون أن ألاحظ، كبرت.
ومع مرور السنوات، بدأ الشك يتسلل من تحت عتبة الباب، لم ألحظه في البداية، لكنه دخل، بدأ يشككني في شخصيتي، في اختياراتي، وفي حقيقتي نفسها، ولا أعرف تحديدًا متى احتل الخوف جزءًا من قلبي.
متى بدأت نوبات هلعي؟
متى أصبحت أنظر إلى المرآة فأرى امرأة لا أعرفها؟
كانت عيناكِ تلمعان بالحياة، أما عيون انعكاسي فبدت لي باهتة، متعبة، وكأنها نسيت كيف تحلم.
كنت أظن أنني أصبحت مملة مثل الكبار، ثم فهمت شيئًا آخر:
الكبار ليسوا مملين، إنهم منهكون، لقد أثقلتهم المسئوليات حتى نسوا أنفسهم وأحلامهم، أما أنا فقد تعلمت شيئًا مختلفًا، تعلمتُ أن أصنع بيني وبين الأشياء التي أحبها مسافة أمان.
فأنا أحب، لكنني مستعدة للفراق، أتعلق، لكنني أترك باب الخروج مفتوحًا، أقترب، لكنني أحتفظ بجزء مني بعيدًا، تحسبًا لأن يؤلمني ما أحب، كنت أظن أن هذه المسافة تحميني، ثم اكتشفت أنها كانت تحميني من الألم، لكنها كانت تحرمني أيضًا من الحياة، ربما لأن أكثر ما يكسر الإنسان هو ما يحب، قررت أن أحب بنصف قلبي تحسبًا.
كنت ألتقي بكِ ليلًا حين يهدأ كل شيء، وتبدأ الأسئلة:
من أنا؟
ما معنى وجودي؟
هل هناك شيء يستحق كل هذا العناء؟
هل أنتمي حقًا إلى مكان ما؟
وطن لفظني، ووطن آخر أحببته دون أن أولد فيه، فبقي قلبي معلقًا بين الاثنين؛ ربما لهذا تعلمت مبكرًا ألا أنتمي بشكل كامل، وكأنني أخشى أن أضع قلبي في مكان واحد، ثم يأتي يوم، ويُطلب مني الرحيل، حتى أصبحت «مسافة الأمان» قيدًا غير مرئي في يدي، وفي مرحلة شعرت فيها أن حياتي تنحدر على كافة الأصعدة ولا شيء لأخسره، قررت أن أقامر.
ذهبت إلى الإسكندرية (عروس البحر).
لم أخبر أحدًا، كان سري الصغير لم يكن مجرد سفر، بل كان تحديًا للمواعيد، وللخوف، ولتلك النسخة المتكبلة بالخوف، أهديتها مغامرة فريدة.
جلست أمام البحر، ومعي فنجان قهوة، وكان هناك شيء مختلف في ذلك الصباح لأول مرة منذ وقت طويل، لم أكن أحاول الهروب من شيء، لم يكن الشيطان ثالثنا، حتى أصواتي الداخلية، التي اعتدت أن أراها ألد أعدائي، بدت وكأنها صمتت قليلًا؛ لتشاهد البحر معي.
وهناك رأيتكِ أنتِ.
في ذلك الصباح، تصالحت معكِ، مع ذاتي الصغيرة، مع الطفلة الرقيقة والجريئة والمبدعة، التي كنت أخشى أنني فقدتها، وتخليت عن مسافة الأمان.
وتعلمت أن الشجاعة ليست أن أقفز من الدور الأول فقط، بل أن أقفز إلى الحياة بكل ما أوتيت من قوة.
وإن ارتطمت…
فستبقى الندبة قصة أرويها.
