شاشة هاتفي لا تريد أن تُفتح، إنها لا تتعرف إلى وجهي، أتنهد.. نعم، لستُ أول مرة أواجه فيها هذه المشكلة.
كنت أعتقد دائمًا أن وجهي ليس من النوع الذي يمكن التعرف إليه؛ لذا اعتدتُ على تقديم نفسي للآخرين مرتين، كنت أتجنب إلقاء التحية على الأشخاص الذين أعرفهم بشكل سطحي، لأنني كنت أعتقد أنهم لن يتذكروا أننا التقينا من قبل، لا يوجد شيء مميز في وجهي يجعلهم يتعرفون إليّ.
ما هو الوجه الذي يمكن التعرف إليه من الأساس؟ هل هي الملامح نفسها؟
فكرت (وأنا صغيرة) في الأطفال الآخرين، الذين كنت متأكدة تمامًا من أنه سيتم التعرف إليهم، ولم أكن لأستطيع أن أقول لك لمَ كان هؤلاء الأطفال يلفتون الأنظار إليهم.
بحث اليوم عن التفسير: الوجوه الأكثر شهرة في التاريخ، مثل: (ألبرت أينشتاين، مارلين مونرو)، في القمة مباشرةً، وكأن هناك معادلة، هذا لا يفسر الحالة نفسها، زميلتي في الفصل، التي كانت بطريقة ما أكثر شهرة في مدرستنا من كليهما، أبحث عن الشبه بينها وبين أينشتاين أو مارلين، ولا أجد أي ملامح مشتركة، لا أقصد إهانة سُها.
ما الذي يجعل الوجه قابلًا للتعرف إليه من الأساس؟
ظللت أسأل نفسي: هل لأن هناك شيئًا ما غير متناسب؟ أم أنه مثالٍ للغاية، ناعم جدًا لدرجة أن العين لا تلتقط أي شيء؟ لطالما ساد الاعتقاد بأننا ننجذب أكثر إلى الوجوه المتناسقة، كما لو أنني قد أصبحتُ معجبة بالعيوب، كنت أجد الأمر مثيرًا للاهتمام، عندما يبدو حاجبا شخص ما مختلفين، أو تكون أذناه مميزتين، أو أنفه أكبر، حينها سيبدو ذلك فريدًا تمامًا.
فوجئت بسرور عندما تعرفتُ إلى هذا الموضوع في سنتي الدراسية الأولى: «علم الفراسة» (الفيزيوجونوميك)، كانت هذه النظرية تربط أشكالًا معينة للوجه بصفات شخصية محددة، فالملامح المربعة والبارزة كانت تُعتبر دلالة على النشاط والحيوية، بينما كانت الوجوه المستديرة تُعتبر دلالة على الطيبة، لكن سرعان ما شعرت بخيبة أمل كبيرة خلال المحاضرة، عندما أدركت أنه لا يوجد أي دليل علمي يدعم ذلك، كنت أتمنى لو كان هناك دليل، وإلا لكانت خالتي مخطئة في افتراضها أن صديقتي كانت مخادعة، وأن عليّ الابتعاد عنها، لأن عينيها متقاربتان وأنفها حادة ومدببة، أو أنه عليّ توخي الحذر من تلك الصديقة ذات «الجبهة العريضة»، لأنها ستجرني إلى الأسفل بسبب قلة ذكائها أو ضعف إرادتها.
من المضحك، بل من المأساوي في الحقيقة، أننا نقوم الآن بتدريب الآلات على القيام بنفس القفزة مثل خالتي بالضبط، على نطاق واسع دون وجود محاضرة لتصحيحها في نهاية المطاف، وهناك مصطلح يصف ذلك: «علم الفراسة الرقمي».
عندما كانت خالتي تحكم على شكل أنف ما، كان الجميع في الغرفة يعلمون أن ما تقوله هو مجرد (رأي خالتي)، أما درجة الخطورة التي يُصدرها الذكاء الاصطناعي، فلا يسأله أحد: مَن الذي قرر أن هذا هو المعيار؟ وكأن الفراسة لم تكن يومًا حكرًا على الخالات أو الخوارزميات، ثم أجد نفسي في المطار، في طريقي إلى بلدي، فيلقي رجل عند (الكاونتر) نظرة إليّ لمدة ثانيتين، ويقول إنه يعرف بالضبط من أين أنا، فقد تعرف إليّ من خلال أنفي.
أنفي؟! ما الذي يحدث مع أنفي؟ لقد أمضى هاتفي شهورًا في تعلم ملامح وجهي، وما زال لا يستطيع التعرف إليّ في الظلام، أما هذا الغريب، فقد احتاج إلى ثلاث ثوانٍ وملامح واحدة ليصنّفني بثقة تامة.
كنت أعتقد أن الناس في الثقافات الأخرى يتشابهون جميعًا في الشكل، وعندما أقلب الفكرة، كنت أتساءل عما إذا كان هناك في مكان ما، شخص ما ينظر إليّ ويفكر في ذلك بالضبط: أنني واحدة من بين الكثيرين قابلة للاستبدال.
ففي النهاية لقد بدأ الناس يبدون جميعًا متشابهين، أليس كذلك؟ أو أننا ببساطة توقفنا عن النظر جيدًا، فلم نعد نرى الفروق، نسعى أن نكون فريدين، وأن يُنظر إلينا على أننا مميزون، وفي الوقت نفسه نبحث عن الصيحات ومعايير الجمال التي تجعلنا نبدو مثل شخص آخر، لكننا نسعى إلى هذا التمييز بالطريقة نفسها، حتى صرنا كلنا «مميزين» في آنٍ واحد، وبذلك لم يعد أحد منا كذلك.
انتقلتُ إلى مدينة أوروبية صغيرة، وفجأة أصبحتُ «مميزة»، كان وجهي بارزًا، كنتُ في الثامنة عشرة من عمري، وأعيش في حالة من الغرور التام، كنتُ الوحيدة في الغرفة التي تتمتع بهذه الملامح، إلى أن انتقلتُ إلى مدينة أكبر، وهناك كان الجميع «مميزين»، بشكل شامل، وبشكل كامل، لدرجة ألا أحد كان كذلك.
ﻧﻔﺲ اﻟﻮﺟﮫ اﻟﺬي ﺟﻌﻠﻨﻲ ﻣﻤﯿﺰة ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻓﻲ ﻣﻜﺎنٍ ﻣﺎ، ﺟﻌﻠﻨﻲ ﻋﺎدﯾﺔ ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻓﻲ ﻣﻜﺎنٍ آﺧﺮ، اﺗﻀﺢ أن «اﻟﺘﻤﯿﺰ» ﻟﻢ ﯾﻜﻦ أﺑﺪًا ﺳﻤﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﺑﻮﺟﮭﻲ، ﺑﻞ ﻛﺎن ﺳﻤﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﺑﺎﻟﻐﺮﻓﺔ.
ﻟﻢ أدرك ذﻟﻚ إﻻ ﻗﺒﻞ ﺑﻀﻊ ﺳﻨﻮات، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻛﻨﺖ أﺷﺎھﺪ ﻓﯿﺪﯾﻮھﺎت ﻋﺎﺋﻠﯿﺔ ﻗﺪﯾﻤﺔ، ﻓﻨﻈﺮ واﻟﺪاي إﻟﻰ اﻟﺸﺎﺷﺔ وﻗﺎﻻ، وكانا ﻣﻨﺪھﺸين: «أوه، ﻟﻢ ﺗﻜﻮﻧﻲ ھﺎدﺋﺔ إﻟﻰ ھﺬا اﻟﺤﺪ، أﻟﯿﺲ ﻛﺬﻟﻚ؟ رﺑﻤﺎ ﻟﻢ ﻧﻼﺣﻆ ذﻟﻚ ﻣﻘﺎرﻧﺔً ﺑﺄﺧﯿﻚ اﻷﻋﻠﻰ ﺻﻮﺗًﺎ»، ﻓﮭﻤﺖ اﻷﻣﺮ: إذا ﻛﻨﺖ ﺻﺎخبًا، ﻓﺴﯿﺘﻢ اﻟﺘﻌﺮف إﻠﯿﻚ، ﺗﻠﻚ «اﻟﻐﺮﻓﺔ» اﻟﺘﻲ ﺗﺤﺪﺛﺖُ ﻋﻨﮭﺎ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ داﺋﻤًﺎ ﻣﻜﺎﻧًﺎ، أﺣﯿﺎﻧًﺎ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻐﺮﻓﺔ ﺷﺨﺼًﺎ واﺣﺪًا ﯾﺠﻠﺲ ﺑﺠﺎﻧﺒﻚ، وﯾﺴﺘﺤﻮذ ﻋﻠﻰ اﻻھﺘﻤﺎم، رﺑﻤﺎ ﻟﮭﺬا اﻟﺴﺒﺐ ﻛﺎﻧﺖ ﺳﮭﺎ (زﻣﯿﻠﺘﻲ ﻓﻲ اﻟﻔﺼﻞ) ﻣﻌﺮوﻓﺔ.
ھﻨﺎك ﻓﺮق ﺑﯿﻦ أن ﺗُﺮى وأن ﯾﺘﺬﻛﺮك اﻟﻨﺎس، ﯾﻤﻜﻦ أن ﯾﺮاك اﻟﻨﺎس ﻛﺜﯿﺮًا، ﯾﻘﺎﺑﻠﻮﻧﻚ، ﯾﺘﺤﺪﺛﻮن ﻣﻌﻚ، ﺛﻢ ﻻ ﯾﺘﺬﻛﺮوﻧﻚ، ھﺬا ﻟﯿﺲ اﺧﺘﻔﺎءً، رﺑﻤﺎ لم ﺗﺘﺮك أﺛﺮًا ﻓﻲ ذاﻛﺮﺗﮭﻢ من الأساس، ﻓﮭﻞ ﺧﻮﻓﻲ اﻟﺤﻘﯿﻘﻲ ھﻮ أﻻ ﯾﺘﻌﺮﻓﻮا إﻠﻰ وﺟﮭﻲ؟ أم أﻧﮫ - ﻓﻲ ﻣﻜﺎنٍ أﻋﻤﻖ - اﻟﺨﻮف ﻣﻦ أﻻ أﺗﺮك أﺛﺮًا ﻓﻲ أذھﺎن اﻟﻨﺎس؟
ﺗﺒﻠﻮر ﻛﻞ ھﺬا ﻣﻨﺬ ﺷﮭﺮﯾﻦ، ﺣﯿﻦ دﺧﻠﺖُ ﻋﯿﺎدة طﺒﯿﺒﺘﻲ ﻟﻠﻤﺮة اﻟﺜﺎﻧﯿﺔ، ﻓﻮﺟﺪﺗُﻨﻲ أﻗﺪّم ﻧﻔﺴﻲ ﻣﻦ ﺟﺪﯾﺪ، ﻓﻘﺎطﻌﺘﻨﻲ ﺑﻠﻄﻒ: «أﻋﺮف».
ﻛﻠﻤﺔ ﺑﺴﯿﻄﺔ، ﻟﻜﻨﻨﻲ (وﻷول ﻣﺮة) ﺳﻤﺤﺖُ ﻟﻨﻔﺴﻲ أن أﺻﺪّﻗﮭﺎ.
