لم أتوقع يومًا أن يمنحني الله ابنته.
كل يوم، في تمام التاسعة والنصف مساءً، نجلس أنا وهي على السرير، بعد سلسلة طويلة من (المحايلات) والمفاوضات التي لا تنتهي، رافضة الخلود والاستسلام للنوم.
حتى أقول لها:
«كلمة السر.»
«عايزة أسألك سؤال.»
تعتدل في جلستها، كأنها فتاة كبيرة، وهي لم تتجاوز الرابعة من عمرها.
«ها، زعلتك في إيه النهارده؟»
تبتسم، وتبدأ في الاستسلام، ثم تشرد بعينيها بعيدًا، وتقول:
«زعقتيلي.. وأنا مش بحب حد يزعقلي.»
أصمت.. وأتذكر طفولتي.
لم أكن مدللة، لم أكن مرئية بالقدر الكافي، كنا أربعة إخوة، وكنتُ الثالثة، والثالث لم يكن له نصيب كبير من الأشياء.
فاتني القطار في معظم ما يمكن أن تحصل عليه ابنة من اهتمام ورعاية، فقررت دون وعي أن ألعب دورًا آخر، دورًا يجعل لي أهمية، الدور الذي يجعل الجميع يشيدون بي وبمجهودي، الدور الذي يجعل كل من حولي يقول:
«بنت جدعة.. معتمدة على نفسها.»
«الطفلة المستقلة.»
أذاكر بمفردي.
ألعب بمفردي.
أذهب إلى امتحانات الثانوية العامة بمفردي.
لم تكن لي صداقات كثيرة، ما نفع الصداقات إذا كانت ستنتهي بمجرد أن تبدأ؟
اختبأت في وحدتي، وقررت، بشكل غير واعٍ، أن أغلق زر المشاعر.
كنت الثالثة في أشياء كثيرة:
الثالثة على دفعتي.
الثالثة في ترتيب من حملن لقب «المفضلة» عند صديقات الجامعة.
الثالثة بين أحضان أمي.
حتى تعايشت مع الأمر، أو هكذا كنت أظن، حتى جمعني القدر بالرجل الذي أخذني إلى العالم الحقيقي.
إذا سألني أحد عن زوجي، ذلك الشاب الذي يفضّل الاختفاء عن مرأى الأعين، سأقول إنه الإنسان الوحيد على هذا الكوكب الذي جعلني أشعر أنني الأولى.
أحببته بالقدر الذي جعلني أنجب منه ابنة.
صوفيّا.
جرت العادة أنه في ليالي البرد القارس، تختفي صوفيّا بين أحضاني، منتظرة شوربة العدس، بينما تغني:
«القطة المشمشية…»
فأكمل:
«حلوة بس شقية.»
«زي مين؟»
فتجيب، دون تردد:
«زي صوفيّا!»
صوفيّا الأولى، كما يلقبون أميرة ديزني الصغيرة.
صوفيّا التي لا تعرف أنها جاءت إلى هذا العالم لتعلمني الكثير عن نفسي، جاءت لأفهم أنني يمكنني أن أنال الحب الذي حُرمت منه، وأن الصدمات يمكن أن تُشفى، وأن القسوة التي نكتسبها كي نحمي أنفسنا، يمكن أن تتحول مع الحب إلى عطاء وحنان.
إلى عزيزتي صوفيّا:
ربما تقرأين كلماتي هذه وأنتِ في العاشرة من عمرك، وربما لن تقرأيها أبدًا، لأنني لن أجبرك على شيء.
منذ لحظتك الأولى في هذا العالم، وأنا أتعلم منكِ:
ترشدينني دون أن تشعري.
تجعلينني أنفتح على عوالمي الداخلية، وأقترب من مخاوفي بدلًا من أن أهرب منها.
تعلمينني أن أحب دون حذر.
منحتِني الشجاعة لأعترف بخطأي.
والقوة لأتخلى عن كل ما لا يشبهني.
وجعلتِني، دون أن تقصدي، أحاول في كل يوم أن أكون النسخة الأفضل من نفسي.
أحيانًا أفكر: هل أنا من يربيكِ، أم أنكِ أنتِ أيضًا تربينني؟
لا أدعي الوصول إلى إجابة، ولكنني أدعي بملء قلبي أننا سنسير في هذا العالم سويًا، وسنحتفظ بأسرارنا سويًا، وستبقى عادتنا (بخروجة) كل يوم سبت قائمة ما حييت.
وإذا سألني أحدهم يومًا عن سر رغبتي الآن في أن أكون الأولى، سأقول ببساطة:
أنتِ.
