في الجهة الهادئة من الحياة

نورا النجم تكتب

في الجهة الهادئة من الحياة


لا أظن أنني استيقظت يومًا، وقررت أن أحب العزلة، أظن أنني فقط، مع الوقت، صرت أكتشف أنني أكون أفضل حين يكون حولي قدر أقل من الأشياء، التي تطلب مني أن أكون حاضرة.

أحب أن أبقى في البيت دون سبب مهم، أن يمر يوم كامل، ولا أضطر إلى ارتداء شيء سوى ما يجعلني مرتاحة، ولا إلى شرح أين كنت، أو لماذا لم أخرج، أو ماذا أفعل بكل هذا الوقت.

أحب الوقت الذي لا يحدث فيه شيء، وقد يبدو هذا مملًا لشخص آخر، لكنه بالنسبة لي ليس كذلك أبدًا.

في البيت دائمًا شيء صغير يشغلني، كتاب لم أبدأه بعد، رغم أنني متحمسة له، كتاب بدأته، ثم تركته، لأنني لم أعد بنفس المزاج، كومة كتب أرتبها، ثم أعود، فأغيّر ترتيبها بعد أيام، وكأنني اكتشفت فجأة أن الكتب أيضًا لها مزاج.

وأحيانًا أشتري كتابًا، وأضعه في مكان واضح أمامي، ثم لا أقرأه مباشرة، أحب أن أعرف أنه موجود.

ربما هذه عادة غريبة قليلًا، لكنني أفعلها مع أشياء كثيرة؛ لا أحتاج دائمًا إلى أن أستخدم الشيء كي أستمتع بوجوده، يكفيني أحيانًا أن أعرف أن هناك كتابًا ينتظرني، أو فيلمًا لم أشاهده بعد، أو مكانًا أستطيع الذهاب إليه متى أردت.

 

حتى قططي تبدو وكأنها فهمت هذا عني، تنام في أماكن عشوائية، وتظهر فجأة حين لا أتوقعها، ثم تقرر أن تجلس بجواري دون أن تطلب مني شيئًا، أحب وجودها لهذه الأسباب تحديدًا، لا تسألني كيف كان يومي، ولا لماذا صمتُّ، ولا إن كنت بخير، يكفيها أن أكون قريبة.

وأحيانًا، وأنا أقرأ، أرفع رأسي لأجد واحدة منها تنظر إليّ، فأترك الكتاب، وأجلس معها قليلًا، لا يحدث شيء، وهذا بالضبط ما يعجبني.

أعتقد أنني صرت أبحث عن الأشياء التي لا تضغط عليّ؛ كي أشعر بها، القهوة التي أشربها ببطء، كتاب أعود إليه بعد أشهر، قطة تنام بجانبي، ورسالة من شخص أحبه، لا تحتاج إلى مناسبة.

ربما لهذا أصبحت دائرتي أصغر مع مرور السنوات، ليس لأنني لم أعد أحب الناس، بل لأنني صرت أعرف الفرق بين أن أحب وجود شخص في حياتي، وبين أن أحتاج إلى وجوده طوال الوقت.

أحب بعض الناس كثيرًا، لكنني أحب أن أعود بعد لقائهم إلى بيتي الهادئ.

وأحب الكتب كثيرًا، لكنني لا أريد أن أقرأ طوال الوقت.

وأحب القطط، لكنني لا أمانع أن تختفي عني ساعات، ثم تعود، وكأنها لم تفعل شيئًا.

وأحب نفسي أكثر، حين لا أضطر إلى شرح كل هذا.

ربما لهذا لم تعد العزلة بالنسبة لي مكانًا أختبئ فيه من الحياة، هي فقط المساحة التي أعود إليها، كي أسمع صوتي من جديد، فيها أعرف أي كتاب أريد، وأي شخص أشتاق إليه، وأي الأشياء لم تعد تعنيني، وأيها بقي معي رغم مرور الوقت.

ومع الأيام، صرت أقل اهتمامًا بأن تكون حياتي ممتلئة، وأكثر اهتمامًا بأن تكون مأهولة بما أحب.

بعض الكتب.

قطط كثيرة.

قهوة تبرد أحيانًا؛ لأنني انشغلت عنها.

وأيام هادئة لا يحدث فيها شيء يستحق أن يُحكى.

ومع ذلك، أحبها.

 

انضم الآن إلى عالم هلبينج!

استخدم 8 أحرف على الأقل تشمل حرفاً إنجليزياً كبيراً وصغيراً ورقماً ورمزاً مثل ! أو @.

تأكيد البريد الإلكتروني

أكد بريدك الإلكتروني أولاً لإكمال الاشتراك. افتح رابط التأكيد لتسجيل الدخول تلقائياً.

مرحبا برجوعك 👋

سجل دخولك عشان تكمل القراءة، وتوصل للمحتوى الحصري.

أكمل

نسيت كلمة المرور؟

أدخل بريدك الإلكتروني وسنرسل لك رمز التحقق.

رمز التحقق

أدخل رمز التحقق المرسل إلى